تفاصيل الخبر
  • كلمــــــة السيد أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية فـي احتفالية يوم الجامعة العربية التي تُنظِّمها جامعة الاسكندرية
    التاريخ: 22/04/2017

    الأستاذ الدكتور/ عصام الكُردي

    رئيس جامعة الاسكندرية

    الدكتور/ قدري اسماعيل

    ​​عميد كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية

    السيدات والسادة الحضور،

    يسعدني أن أكون بينكم اليوم في رحاب جامعة الاسكندرية، هذا الصرح العلمي العتيد، ذي السُمعة المُشرفة والإنجاز الرائد في المجال التعليمي والأكاديمي..

    والحقيقةُ أنني أرى أن هذا المكان، وذلك الحضور الشبابي المُبشر بالأمل، هما المجال  الأنسب لاحتفالنا بيوم الجامعة العربية.. وأتوجه بالشُكر لكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية بجامعة الاسكندرية، وكل من ساهم في طرح فكرة هذه الاحتفالية وإخراجها إلى النور.. فالجامعةُ العربية قطعة من تاريخنا المُعاصر، كانت أسبق في نشأتها من الأمم المتحدة ذاتها.. ولكنها أيضاً واقع حيٌ ومتُجدد.. وحياتها في المستقبل لن تكون إلا بإيمان جيل الشباب - جيلكم أنتم- بدورها وقيمتها.. لذلك فقد رأيتُ أن أتخفف قليلاً، وأنا بين هذا الشباب الرائع الواعد، من رسميات البلاغة السياسية والكلام المُنمق لأخاطبكم مُباشرةً ببعض ما أشعر به إزاء هذه المنظمة الرائدة.. الحامية لهويتنا العربية الجماعية.. الحافظة لكل ما يجمعنا كعرب.. والحاضنة لكل همومنا وطموحاتنا في المستقبل..

    وبداية أقول إن الجامعة ليست كياناً مثالياً مُنفصلاً عن دولنا وشعوبنا.. جامعتنا هي انعكاس في المرآة لواقعنا العربي، في السياسة والاقتصاد .. في العلم ومقومات الحضارة وأسباب التقدم الشامل... متى كان هذا الواقع مُزدهراً وفتياً.. تعززت مكانة الجامعة ودورها.. وإذا اعترى هذا الواقع عوامل التفكك والتشرذم، كانت الجامعة –أيضاً- صورة صادقة لهذا التفكك وذلك التشرذُم..

     غير أن الجامعة في كل الأحوال، وفي أوقات الشدة والرخاء، تظلُ قيمة لا غِنى عنها، ورمزاً لا ينبغي أبداً التفريط فيه .. وليس بخافٍ عليكم جميعاً أن بلادنا العربية تمر في هذه الآونة بواحدة من أوقات الشدة، والكثير من شعوبنا يُجابه أزمات غير مسبوقة .. ويكفي أن نعرِف أن 50% من لاجئي العالم اليوم هم من العرب.. أي أن

    واحداً من كل اثنين لاجئين هو لاجئٌ عربي.. وأن واحداً من بين كل ثلاثة سوريين هو إما لاجئٌ أو مشردٌ عن بيته أو نازحٌ داخلياً...

    وليس في نيتي أن أستعرض أمامكم مظاهر المأساة التي يعيشها عالمنا العربي، فيقيني أنكم تتابعونها بحزن وقلق.. ولكني أُريد أن أنقل لكم، من مكاني كأمين عام للجامعة العربية، أهمية وخطورة هذه المؤسسة العريقة بالنسبة لمُستقبلنا المُشترك، ومستقبل كل دولة عربية على حدة..

    وأبدأ من قمة عمّان الأخيرة التي عُقدت قبل أسابيع بالبحر الميت.. ولعل بعضكم قد تابع وقائعها والتغطيات الإعلامية التي صاحبتها، بل وربما تشعرون – ولكم الحق- بأن القمة، التي تمثل ذروة العمل العربي المُشترك بحضور القادة والزعماء، لا تنعكس بصورة ملموسة على واقعكم كما تعيشونه، ولا تحمل جديداً يُمكن الارتكان إليه والانطلاق منه لتغيير هذا الواقع.

     اسمحوا لي أن أعرض صورة مُغايرة.. إن المواطن العربي الذي يرى زُعماءه وقادته، رؤساءه وملوكه، وقد اجتمعوا معاً على مدار يومٍ كامل .. يُناقشون هموم الأمة في مجموعها، ويعرض كلٌ منهم رؤيته للواقع العربي كما يتصوره.. مجرد هذه الصورة التي يُشاهدها الناس، هي أمرٌ إيجابي.. يتعين أن نتمسك به ونحافظ عليه.. ذلك أنها تُعطي الشعوب العربية الاحساس بالمصير المشترك.. بأن هناك ما يجمع أبناء هذه المنطقة، وأن ثمة عروة وثقى لا تنفصم لا زالت تربطهم وتوحِّد بينهم..

    أما من حيث المضمون، فكما تعرفون فإن العالم به العديد من النُظم الإقليمية.. والنظام الإقليمي هو نسق من العلاقات والمصالح والقيم التي تجمع عدداً من الدول في إقليم مُعين.. فهناك –مثلاً- منظومة إقليمية لإفريقيا يُجسدها الاتحاد الافريقي، وهناك منظومة إقليمية لأوروبا يُجسدها الاتحاد الأوروبي، ولآسيا يُعبر عنها الآسيان.. وهذه المنظومات كلها تقوم على ما يجمع الدول المنضوية في إطارها من مصالح، وما يوحدهم من أهداف مُشتركة.. على أن أهم ما يجعل النظامَ الإقليمي حياً وفاعلاً هو الاتفاق على جُملة من القيم والمبادئ العُليا التي تُنظم العلاقات بين أطرافه .. وعلى سبيل المثال، فإن النظام العربي رفض الإقرار بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في يونيو 1967، وعبرّ عن ذلك في قمة الخرطوم في أغسطس من نفس العام، والتي عُرفت بقمة اللاءات الثلاث.. والنظام العربي رفض أن يُقر احتلال دولة عضو في الجامعة لدولة أخرى عضو إبان احتلال العراق للكويت عام 1990، وعبرّ عن ذلك في

    قمة القاهرة غير العادية في أغسطس من نفس العام.. وهذه كلها مبادئ وقيم يجسدها النظام العربي ممثلاً في الجامعة.. هذه القيم المتوافق عليها هي روح منظومتنا الإقليمية وعصبها.. وبدون الجامعة فإن المبادئ تتعرض للتآكل والقيم يُصيبها التشوش.. فيصبح معيار ما هو شرعي وأخلاقي غائماً.. ويفقد النظامُ معناه .. ويتحول الأمرُ إلى مجرد جيرة جغرافية لا مجال فيها للتنسيق المُشترك أو العمل الجماعي... وتزداد وتيرة الصراعات البينية، وتتنامى حدتها من دون أي إطار مرجعي لحلها أو احتوائها.

    الجامعةُ العربية، كما أشبهها، مثل المسجد أو الكنيسة التي لا نشعر بوجودها إلا عندما تختفي من حياتنا، فيصير كل شيء مباحاً من دون وازع يمنع، أو رادع يردع.. ليس للجامعة  قوة عسكرية.. ليس لديها طائرات أو دبابات، ولكن في حوزتها سلطانٌ معنوي كبير وثقلٌ أخلاقي لا يُستهان به.. مثلها في ذلك مثل المؤسسات التي تحتل مساحات واسعة في المجتمع ، ليس بسبب ما تتحكم فيه من عناصر القوة والنفوذ، وإنما بواقع مكانتها وتاريخها والقيمة التي تُجسدها وتُعبر عنها.

    السيدات والسادة،

    منظومتنا العربية ليست مثالية.. ما زالت هذه المنظومة تفتقد إلى الكثير والكثير.. التجارةُ البينية للدول العربية تُمثل 10% فقط من مُجمل تجارتها الخارجية.. إنها نسبة مخجلة بالنظر إلى منطقة تمتلك كافة المُقومات المطلوبة للتكامل الاقتصادي.. وأهم هذا المُقومات لا يتمثل في مصادر الطاقة أو الثروات التي نستخرجها من باطن الأرض، على أهميتها، وإنما في البشر .. لدينا 100 مليون شاب عربي أعمارهم بين 15 و 29 سنة يمثلون الثروة الحقيقية لهذه الأمة، والمُحرك الأكثر تأثيراً لتقدمها وازدهارها.. وما من شك في أن تحفيز طاقات هؤلاء الشباب، يتحقق بصورة أشمل، وبوتيرة أسرع إن جاء في إطار من التكامل الاقتصادي الإقليمي.. وبُحيث توظف كل عناصر القوة وكافة مقومات النجاح في الأمة العربية على اتساعها.. فيُستفاد من المزايا النسبية في كل دولة على صعيد قومي شامل.. ويتم تحويل التضارب والتنافس .. إلى تكامل واندماج..

    إن السبب الرئيسي والمنبع الأول للكثير من المُشكلات في المنطقة العربية يتصل - بصورة أو بأخرى- بالتأخر الاقتصادي والتراجع في الإنتاجية وركود مُعدلات النمو وضعف الاستثمار والاعتماد الزائد على المصادر الأولية.. ومن هذه المشكلة

    الاقتصادية المُزمنة تتولد جملةٌ من الأزمات التي تُصبح بتراكم الزمن مُعضلات.. بدايةً من عدم الاستقرار السياسي، وانتهاء بالتطرف الديني والإرهاب.

    إن أخطر المُشكلات الاقتصادية التي تواجهنا هي بطالة الشباب وتبلغ نحو 29% وهي من أعلى المُعدلات بين مناطق العالم المختلفة.. ومن أسفٍ أن الدول العربية ما زالت عاجزة عن الاستفادة من الطفرة الشبابية الهائلة التي تتميز بها مُجتمعاتها، وهي طفرةٌ تتمناها مُجتمعات أخرى تُعاني من الشيخوخة ومن تصاعد مُعدلات الإعالة بصورة تؤثر على عملية الانتاج... ومرة ثانية، فإن توظيف هذه الطفرة الديموغرافية الشبابية لصالح النمو الاقتصادي يتحقق بصورة أسرع كثيراً في إطار من التكامل العربي.

    وفي القمة العربية الأخيرة في عمّان جرى بحثُ الكثير من الموضوعات المُتعلقة بالتكامل الاقتصادي العربي.. وللأسف ما زالت منطقة التجارة العربية الكُبرى حُلماً بعيداً، برغم أن الخطوات التنفيذية لتحقيقه ليست مُستحيلة.. لقد بدأت مسيرة التكامل الاقتصادي العربي بتوقيع اتفاقية الوحدة الاقتصادية عام 1957، وهو نفس العام الذي وقعت فيه ست دول أوروبية اتفاقية روما التي أنشأت الجماعة الاقتصادية الأوروبية.. ولا يحتاج المرء لمجهود كبيرٍ ليُميز البون الشاسع الذي يفصل بين إنجاز التكامل على الصعيد الأوروبي ومثيله على مستوى العالم العربي.. إن أموراً تُعد أساسية من أجل التمهيد لتفعيل منطقة التجارة العربية الكُبرى ما زالت غائبة.. مثل الاتفاق على توحيد قواعد المنشأ، أو منح تأشيرات خاصة لرجال الأعمال.. والمُحصلة أن المنطقة العربية تُعد من أكثر المناطق في العالم من حيث ارتفاع أسوار الحماية الاقتصادية.. ولا شك أن هذا يُفسر، إلى حد بعيد، أسباب تأخرها الاقتصادي وضعف قدرتها على الاستفادة المُثلى من الإمكانيات المتوفرة لديها بصورة جماعية.

     أتحدث عن الاقتصاد لأنه في رأيي يُمثل المدخل السليم والتمهيد الملائم لأي عمل جاد في اتجاه الوحدة العربية.. لقد جربنا في فتراتٍ سابقة أن نقفز إلى الوحدة عبر الشعارات، ولم نحصد سوى انجازات وقتية عابرة لم تلبث أن تلاشت تحت وطأة الواقع.. الواقع يقول إن لكل دولة عربية مصالحها، ولكل دولة رؤيتها لمصادر الخطر والتهديد.. لا مجال لإنكار هذا الواقع، ولا فائدة من التظاهر بعدم وجوده، بل يتعين علينا أن نعترف به ونتعامل معه... إن الوصول إلى رؤية موحدة بين الدول العربية سواء فيما يتعلق بالقضايا الأمنية، أو بالمسائل الاقتصادية ليس أمراً سهلاً.. إنه مشوارٌ طويل يتطلب عملاً تدريجياً متواصلاً، وتنسيقاً مُستديماً على مستويات مختلفة بين

    الدول العربية.. وصولاً إلى النقطة التي ننشدها جميعاً.. وهي أن يتوفر للاثنتين وعشرين دولة عربية منظورٌ واحد لأمنها الجماعي.. وأن يكون لهم تصور مُشترك لمستقبلهم الاقتصادي.. وأن يتخذوا من الإجراءات والسياسات ما يحول هذه الرؤية إلى كيانات مؤسسية.. إلى اتفاقيات ومنظمات وقوانين وتشريعات.. تُفضي في النهاية إلى تغيير الواقع القائم.. وتنعكس على حياة كل مواطن في العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه.

    السيدات والسادة،

     بعد 72 عاماً على إنشاء الجامعة العربية.. ما زالت هذه المؤسسة العريقة هي الكيان الوحيد القادر على احتضان هذا العمل التنسيقي المُتدرج والطويل الذي أتحدث عنه... الجامعةُ لا تُعنى فقط بالقمم العربية، أو باجتماعات وزراء الخارجية.. وإنما هي مركز لنشاطات يومية متواصلة قد لا يعرف بها المواطن العربي... هذه النشاطات تربط بين المؤسسات العربية العاملة في كل أوجه النشاط البشري.. بداية بالاقتصاد وليس انتهاء بالثقافة والتعليم.. الجامعة، كما أراها، هي خليةٌ عملاقة لتبادل الخبرات والممارسات بين المؤسسات المختلفة في الدول العربية.. من دون هذه الخلية تتقطع خيوط كثيرة تربط بين دولنا على أكثر من مستوى، وتنهار جسور متينة تصل بين المسئولين والخبراء والأكاديميين.

    إن مسيرة التعاون العربي تتحرك، وإن ببطء.. ويقيني أن وتيرتها ستتسارع كثيراً في الفترة القادمة، ليس اختياراً من الدول وإنما استجابة للمصلحة المُباشرة وانعكاساً للقراءة العقلانية للواقع القائم.. إن التهديدات الأمنية تتعاظم في حدتها وتتنامى في شدتها  واضعةً الدول العربية كلها في خندق واحد في مواجهة إرهاب لا يُميز أو يفرق بين الشعوب والدول.. يتنقل من جبهة إلى جبهة، ينسحب من ميدان فتتحرك عناصره كجرذان الخراب إلى ميدان جديد.. يخسر معركة هنا، فيعود ليطل برأسه القبيح هناك.. إن القضاء على هذه الجرثومة الخبيثة يقتضي تنسيقاً غير عادي.. وجهداً مُتضافراً ومتواصلاً بين مؤسسات عربية مختلفة.. فمُجابهة الإرهاب والتطرف ليست عملاً أمنياً بوليسياً، وإنما جهد مُجتمعي شامل.

    السيدات والسادة،

     لقد تجنبت عامداً الحديث عن الجراح العربية المفتوحة.. في سوريا واليمن.. في ليبيا والعراق.. إنها جراح نازفة لا يحتاج وصفها إلى طبيب مُتخصص.. فالدم الذي يجري في شوارع البلدات والمدن لا يحتاج شرحاً ولا يتطلب وصفاً.. والمعاناة والعذاب ظاهران لكل ذي عينين .. وجميعنا يسأل ما العمل، وكيف الخروج من هذا المأزق الحضاري الصعب؟ وما السبيل إلى مستقبل أفضل نشقه لأبنائنا.. لكم أنتم.. حتى لا يعيشوا هذه المأساة من جديد؟

    وأقول باختصار إنه لا خروج لنا من هذه الأزمات الكبرى سوى بالتضامن والتعاضد.. لابد أن تشد الدول العربية من أزر بعضها البعض في مواجهة من يريدون القضاء على مفهوم الدولة الوطنية ذاته لصالح أجندات لا تحمل لهذه المنطقة سوى الفوضى والخراب.. الحفاظ على الدولة الوطنية العادلة يمُثل أولوية أولى لدى النظام العربي كما تجسده جامعتنا التي تأسست كرابطة بين دول مُستقلة الإرادة ، كاملة السيادة.

    لكن يتعين علينا ألا نُكرر أخطاء الماضي التي أفضت إلى انفجار الدول من داخلها وتشرذمها طوائف وشيعاً وقبائل .. الدولة الوطنية العربية المعاصرة التي ننشدها هي "دولة كل مواطنيها".. دولة مواطنة وحقوق متساوية.. تعيش فيها الطوائف والأعراق بانسجام وتآخ تحت العلم الوطني.. إنها دولة عِمادها القانون والحكم الرشيد.. دولة لا تستأثر بها جماعة أو طائفة، وإنما يكون لكل أبنائها نصيبٌ عادل فيها.. تلك هي وصفة الاستقرار على المدى الطويل.. وذلك هو الطريق الصعب الذي لا غنى عنه.. حتى تخرج منطقتنا من هذا الأتون الذي يوشك أن يلتهم حاضرها ومستقبلها.

                                        

    أشكركم وأرجو أن يكون مستقبلكم أفضل من ماضينا،